قصة قصيرة: إرتطام الحكمة بالغرور
••••••••••••••••••••••••
كعادته خرج الطبيب متأنقاً متألقاً يحمل بيده حقيبته وركب سيارته بوجه سموح وعينان شاردتان سارحتان بخيال ما ستلاقيان اليوم من أرواح وأجساد مستلقية على تلك الُسرر ،وأذنان تسمعان صليل وهدير الوجع من حناجر افتقدت احبتها وتهاوت على الأرض تجمع بقايا حزنها.
ومن ثم يشيح الطبيب بوجهه مبتسماً وكأن روحاً انقذها ألقت عليه التحية والسلام بلحظته تلك.
وكأن جزيل الشكر ودعوات الناجون وأهلهم أمام غرفة العمليات أعطته جرعات من الحياة ليمضي بهذه المهنى الشريفة بعزيمة وهمة واصرار على انقاذ المزيد والمزيد من الأرواح التي هي أمانة على عاتقه.
شاعراً بأن الله بمهنته هذه أعطاه من فضله كرامة خصه بها عن العالمين،والروح التي باتت رميماً على تلك الخشبة الصماء الحدباء ،وجدت روحها من جديد وستنشقت عبير الحياة ،لتمسح دمع طفلاً كاد أن يكون يتيماً أو امرآة كادت أن تكون مرملة ،أو زوج حرُم من زوجته أو أم وأب من أولاده وهكذا...
تنفس الطبيب الصعداء وأكمل سيره في الشوارع ،وفجأة وعند إلتفاتة أحد الطرق اصطدمت سيارته بسيارة فاخرة لتاجر ثري مُسرع لم يتنبه له الطبيب ولم يدرك وجوده...
وبلمحة من القدر ،كادت أن تؤدي بحياته،إلا أن الموت لم يختاره أنذاك .
وبجسد مضعضع ترجل مسرعاً من السيارة ،ليلقي نظرة على ذاك الرجل الأخر الذي كان وجهه متجهم وملامحه قاسية وعيناه غائرتان مكفهرتان ،تهجم على الطبيب ولكمه لكمة وراء لكمة ،لم يستطع الطبيب رده أو ردعه أو حتى دفعه لأن الرجل رماه أرضاً وتملك زمام أمور ضربه ،فما كان من الطبيب إلا الإستجابة،فلم يكن من عادته إيذاء كائن من كان،فهو معتاد على الإنقاذ وعلى دواء الذي به داءُ وليس رد الصاع صاعين.
وكأن الطبيب كان متقصداً دهم السيارة وافتعال حادث ،بينما هو الأخر دهمت سيارته فجأة من غير إن يدير بال لذلك..
بعدما انتهى الرجل من تلك اللكمات ،نظر للطبيب ورمقه وهو يلهث بأنفاس متقطعة فنهره بكلمات علت صداها عنان السماء .
وقال له :أنت لا ترى ياهذا ،إلا تدري من أنا (وذكر اسمه) بتكبر وشموخ أحمقان وكأن عرش سلطانه قد هُز وتزعزع من مكانه ،ومن ثم صعد سيارته تاركاً الطبيب ملقاً على الأرض وأكمل سيره.
وقف الطبيب حينذاك من فوره ومسح الدماء عن جبينه و من على وجهه وهو يعتصر وجعه بداخله ،طالباً من الناس التي تزاحمت من حوله أن يفضوا التجمع ويبتعدوا بإبتسامة مؤلمة قائلاً لهم: كل منكم يذهب إلى عمله،وأفوض أمري إلى الله ،سامحه الله فأن الكبر استولى على عقله وحياته،ثم ركب سيارته ومضى بطريقه ،يفكر بالأرواح التي تأخر على انقاذها .
مضت عدة شهور على تلك الحادثة ،وفي يوم من الأيام دوى صوت صدى سيارة الإسعاف المُسرعة في ارجاء المستشفى،وكأنها تطلق العنان للمنقذين بأن يتركوا فحوى عملهم ويتوجهون للباب الرئيسي ليسعفوا المصاب ويقوموا باللازم .
خرج الطبيب حينذاك لتوه من غرفة العمليات التي قضى فيها لأكثر من ثلاث ساعات متتالية ومتعبة إلى ساعة متأخرة من الليل.
دخل لغرفته بعدما انهى مناوبته ،فبدل ثيابه وخلع صدريته وارتدى سترة بدلته وعدل عقدة العنق خاصته جيداً ،وإذ بإحدى الممرضات تهرول نحو غرفته قاصدة أياه قائلة:يا أيها الطبيب الأن جاءت سيارة الأسعاف برجل كان يسير في طريقاً منحدرة نحو وادٍ وقد انزلقت سيارته بفعل الأمطار وهو الأن بين الحياة والموت أو هو في عداد الموتى يناجيك ،ثم أكملت أرجوك أسرع فالطبيب المناوب لم يأتِ بعد.
نظر الطبيب إليها بوجه مرهق وهو يخلع سترة بدلته ويبدلها بصدريته من جديد،قائلاً: حضروا له غرفة العمليات بأقصى سرعة ،وجهزوا المعدات المعقمة ،ها أنا أتيتُ، وثغرهُ يتمتم ببعض الأدعية بصوت مهموس بأن يحفظ الله المريض بينما يأتِ ويقوم بالواجب.
دخل الطبيب غرفة العمليات وهو يضع الكمامة على أنفه وفمه مانعاً بذلك أي كربون يدخل لغرفة العمليات،وإذ وقع نظره على الرجل المغمى عليه والذي يمتلىء جسده بالدماء ويظهر أن هناك عدة كسور استحوذت عليه .
ومع أن الجروح قد شوهت ملامح ومعالم وجهه ،إلا إن الطبيب عرفهُ مباشرةٍ.
فأشاح بوجهه قليلاً وهو يسترجع ذكرى ذاك اليوم ،وذكرى تلك اللكمات التي مايزال وقعها موصوماً على وجه الطبيب.
إلا أن إنسانيته ورسالته الطبية وعهده أمام الله بأن يساعد بأقصى ما أوتي من قوة كل من لا حول له ولا قوة سواه بعد الله،منعه كل ذلك بأن يترك الرجل المصاب المغمى عليه ،والذي يَكُن له في نفسه نزعة روحية ووجدانية على ما فعله به ؛لكن ذلك لم يمنعه من أن يمارس ويزاول عمله ورسالته الطبية السامية و العظيمة على أحسن وجه.
وباشر عمله بكل حمية وروية ،مُتناسياً ما لاقاه أمام جسد يتوسل له أن ينقذه وهو صامت هائم .
دامت العملية لأكثر من ساعتين ونصف ،ومن ثم نُقل إلى العناية المُركزة ،وطلب الطبيب من الممرضات العناية به وترقبه إلى أن يستعيد عافيته.
وبعد يومين كانت إحدى الممرضات في غرفته والتي كانت تعتني به وتسهر على استقرار نبضه وضغطه وخضاب دمه،وإذ بدأ أنين خافت يخرج من جهة المريض ،توجهت نحوه الممرضة مباشرة وتأكدت من أنه ينهض من غيبوبته بتأوه وبتألم شديدان.
رمقته الممرضة وتبسمت ومن ثم هرولت إلى الطبيب ؛لتطمئنه عن حال المريض الذي ظهرت عليه إمارات الخروج من الخطر.
حينذاك أمر الطبيب بأخراجه من غرفة العناية،بعدما تم فحصه والتأكد من استقرار وضعه.
في تلك الأثناء دخل الطبيب بصدريته البيضاء إلى غرفة الرجل المريض ،وبدأ يسأل الممرضون عن حالته وعن مؤشرات مراقبتهم خلال الساعات السابقة الأخيرة.
والرجل المريض ينظر إليه وقد عرفه وتذكر فعلته مستنكراً عمله وتكبره وجشعه وقتذاك.
كان يراقب الطبيب ويرى مدى تسامحه وعَلِمَ بأنه من انقذ حياته وأنه من قام بعمليته الجراحية ،عالماً بأن الطبيب يذكره ومدرك له .
دنى الطبيب منه وسأله عن وضعه ،فبدأت عينا المريض تبرقان وتترقرقان بالدموع ،طالباً منه مسامحته على فعلته الحمقاء النكراء تلك وبأنه لن يعيد ذلك بعد الأن ،معترفاً بقرارة نفسه بأن الله اختاره لأنه يحبُه وأراد منه أن يتغير حاله وجشعه مع الناس بموقف الطبيب اتجاهه وتسامحه ورأفته،وقال للطبيب :بأن الغرور كان يتملكه واعمى له عيناه عن رؤية التسامح والتهذيب مع الناس .
فمسح الطبيب على رأسه وقال له:أعلم أن التسامح هو أكبر مراتب القوة،وأن حب الانتقام هو أول مظاهر الضعف.
ثم أشار على الوسادة التي ينام عليها وقال:اتعلم أن الوسادة ينام عليها الغني والفقير،والصغير والكبير والحارس والأمير ؛ لكن لا ينام عليها بعمق إلا مرتاح الضمير.
سن قلم: أمل محمد ياسر
سورية/دمشق
••••••••••••••••••••••••
كعادته خرج الطبيب متأنقاً متألقاً يحمل بيده حقيبته وركب سيارته بوجه سموح وعينان شاردتان سارحتان بخيال ما ستلاقيان اليوم من أرواح وأجساد مستلقية على تلك الُسرر ،وأذنان تسمعان صليل وهدير الوجع من حناجر افتقدت احبتها وتهاوت على الأرض تجمع بقايا حزنها.
ومن ثم يشيح الطبيب بوجهه مبتسماً وكأن روحاً انقذها ألقت عليه التحية والسلام بلحظته تلك.
وكأن جزيل الشكر ودعوات الناجون وأهلهم أمام غرفة العمليات أعطته جرعات من الحياة ليمضي بهذه المهنى الشريفة بعزيمة وهمة واصرار على انقاذ المزيد والمزيد من الأرواح التي هي أمانة على عاتقه.
شاعراً بأن الله بمهنته هذه أعطاه من فضله كرامة خصه بها عن العالمين،والروح التي باتت رميماً على تلك الخشبة الصماء الحدباء ،وجدت روحها من جديد وستنشقت عبير الحياة ،لتمسح دمع طفلاً كاد أن يكون يتيماً أو امرآة كادت أن تكون مرملة ،أو زوج حرُم من زوجته أو أم وأب من أولاده وهكذا...
تنفس الطبيب الصعداء وأكمل سيره في الشوارع ،وفجأة وعند إلتفاتة أحد الطرق اصطدمت سيارته بسيارة فاخرة لتاجر ثري مُسرع لم يتنبه له الطبيب ولم يدرك وجوده...
وبلمحة من القدر ،كادت أن تؤدي بحياته،إلا أن الموت لم يختاره أنذاك .
وبجسد مضعضع ترجل مسرعاً من السيارة ،ليلقي نظرة على ذاك الرجل الأخر الذي كان وجهه متجهم وملامحه قاسية وعيناه غائرتان مكفهرتان ،تهجم على الطبيب ولكمه لكمة وراء لكمة ،لم يستطع الطبيب رده أو ردعه أو حتى دفعه لأن الرجل رماه أرضاً وتملك زمام أمور ضربه ،فما كان من الطبيب إلا الإستجابة،فلم يكن من عادته إيذاء كائن من كان،فهو معتاد على الإنقاذ وعلى دواء الذي به داءُ وليس رد الصاع صاعين.
وكأن الطبيب كان متقصداً دهم السيارة وافتعال حادث ،بينما هو الأخر دهمت سيارته فجأة من غير إن يدير بال لذلك..
بعدما انتهى الرجل من تلك اللكمات ،نظر للطبيب ورمقه وهو يلهث بأنفاس متقطعة فنهره بكلمات علت صداها عنان السماء .
وقال له :أنت لا ترى ياهذا ،إلا تدري من أنا (وذكر اسمه) بتكبر وشموخ أحمقان وكأن عرش سلطانه قد هُز وتزعزع من مكانه ،ومن ثم صعد سيارته تاركاً الطبيب ملقاً على الأرض وأكمل سيره.
وقف الطبيب حينذاك من فوره ومسح الدماء عن جبينه و من على وجهه وهو يعتصر وجعه بداخله ،طالباً من الناس التي تزاحمت من حوله أن يفضوا التجمع ويبتعدوا بإبتسامة مؤلمة قائلاً لهم: كل منكم يذهب إلى عمله،وأفوض أمري إلى الله ،سامحه الله فأن الكبر استولى على عقله وحياته،ثم ركب سيارته ومضى بطريقه ،يفكر بالأرواح التي تأخر على انقاذها .
مضت عدة شهور على تلك الحادثة ،وفي يوم من الأيام دوى صوت صدى سيارة الإسعاف المُسرعة في ارجاء المستشفى،وكأنها تطلق العنان للمنقذين بأن يتركوا فحوى عملهم ويتوجهون للباب الرئيسي ليسعفوا المصاب ويقوموا باللازم .
خرج الطبيب حينذاك لتوه من غرفة العمليات التي قضى فيها لأكثر من ثلاث ساعات متتالية ومتعبة إلى ساعة متأخرة من الليل.
دخل لغرفته بعدما انهى مناوبته ،فبدل ثيابه وخلع صدريته وارتدى سترة بدلته وعدل عقدة العنق خاصته جيداً ،وإذ بإحدى الممرضات تهرول نحو غرفته قاصدة أياه قائلة:يا أيها الطبيب الأن جاءت سيارة الأسعاف برجل كان يسير في طريقاً منحدرة نحو وادٍ وقد انزلقت سيارته بفعل الأمطار وهو الأن بين الحياة والموت أو هو في عداد الموتى يناجيك ،ثم أكملت أرجوك أسرع فالطبيب المناوب لم يأتِ بعد.
نظر الطبيب إليها بوجه مرهق وهو يخلع سترة بدلته ويبدلها بصدريته من جديد،قائلاً: حضروا له غرفة العمليات بأقصى سرعة ،وجهزوا المعدات المعقمة ،ها أنا أتيتُ، وثغرهُ يتمتم ببعض الأدعية بصوت مهموس بأن يحفظ الله المريض بينما يأتِ ويقوم بالواجب.
دخل الطبيب غرفة العمليات وهو يضع الكمامة على أنفه وفمه مانعاً بذلك أي كربون يدخل لغرفة العمليات،وإذ وقع نظره على الرجل المغمى عليه والذي يمتلىء جسده بالدماء ويظهر أن هناك عدة كسور استحوذت عليه .
ومع أن الجروح قد شوهت ملامح ومعالم وجهه ،إلا إن الطبيب عرفهُ مباشرةٍ.
فأشاح بوجهه قليلاً وهو يسترجع ذكرى ذاك اليوم ،وذكرى تلك اللكمات التي مايزال وقعها موصوماً على وجه الطبيب.
إلا أن إنسانيته ورسالته الطبية وعهده أمام الله بأن يساعد بأقصى ما أوتي من قوة كل من لا حول له ولا قوة سواه بعد الله،منعه كل ذلك بأن يترك الرجل المصاب المغمى عليه ،والذي يَكُن له في نفسه نزعة روحية ووجدانية على ما فعله به ؛لكن ذلك لم يمنعه من أن يمارس ويزاول عمله ورسالته الطبية السامية و العظيمة على أحسن وجه.
وباشر عمله بكل حمية وروية ،مُتناسياً ما لاقاه أمام جسد يتوسل له أن ينقذه وهو صامت هائم .
دامت العملية لأكثر من ساعتين ونصف ،ومن ثم نُقل إلى العناية المُركزة ،وطلب الطبيب من الممرضات العناية به وترقبه إلى أن يستعيد عافيته.
وبعد يومين كانت إحدى الممرضات في غرفته والتي كانت تعتني به وتسهر على استقرار نبضه وضغطه وخضاب دمه،وإذ بدأ أنين خافت يخرج من جهة المريض ،توجهت نحوه الممرضة مباشرة وتأكدت من أنه ينهض من غيبوبته بتأوه وبتألم شديدان.
رمقته الممرضة وتبسمت ومن ثم هرولت إلى الطبيب ؛لتطمئنه عن حال المريض الذي ظهرت عليه إمارات الخروج من الخطر.
حينذاك أمر الطبيب بأخراجه من غرفة العناية،بعدما تم فحصه والتأكد من استقرار وضعه.
في تلك الأثناء دخل الطبيب بصدريته البيضاء إلى غرفة الرجل المريض ،وبدأ يسأل الممرضون عن حالته وعن مؤشرات مراقبتهم خلال الساعات السابقة الأخيرة.
والرجل المريض ينظر إليه وقد عرفه وتذكر فعلته مستنكراً عمله وتكبره وجشعه وقتذاك.
كان يراقب الطبيب ويرى مدى تسامحه وعَلِمَ بأنه من انقذ حياته وأنه من قام بعمليته الجراحية ،عالماً بأن الطبيب يذكره ومدرك له .
دنى الطبيب منه وسأله عن وضعه ،فبدأت عينا المريض تبرقان وتترقرقان بالدموع ،طالباً منه مسامحته على فعلته الحمقاء النكراء تلك وبأنه لن يعيد ذلك بعد الأن ،معترفاً بقرارة نفسه بأن الله اختاره لأنه يحبُه وأراد منه أن يتغير حاله وجشعه مع الناس بموقف الطبيب اتجاهه وتسامحه ورأفته،وقال للطبيب :بأن الغرور كان يتملكه واعمى له عيناه عن رؤية التسامح والتهذيب مع الناس .
فمسح الطبيب على رأسه وقال له:أعلم أن التسامح هو أكبر مراتب القوة،وأن حب الانتقام هو أول مظاهر الضعف.
ثم أشار على الوسادة التي ينام عليها وقال:اتعلم أن الوسادة ينام عليها الغني والفقير،والصغير والكبير والحارس والأمير ؛ لكن لا ينام عليها بعمق إلا مرتاح الضمير.
سن قلم: أمل محمد ياسر
سورية/دمشق

تعليقات
إرسال تعليق